الغزالي

31

إحياء علوم الدين

وهو ترك ما لا بأس به مخافة مما به بأس . وهذا ورع المتقين . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « لا يبلغ العبد درجة المتّقين حتّى يدع مالا بأس به مخافة ما به بأس » الرابعة : ما لا بأس به أصلا ، ولا يخاف منه أن يؤدى إلى ما به بأس ، ولكنه يتناول لغير الله ، وعلى غير نية التقوّى به على عبادة الله . أو تتطرق إلى أسبابه المسهلة له كراهية أو معصية . والامتناع منه ورع الصديقين فهذه درجات الحلال جملة إلى أن نفصلها بالأمثلة والشواهد وأما الحرام الذي ذكرناه في الدرجة الأولى ، وهو الذي يشترط التورع عنه في العدالة وإطراح سمة الفسق ، فهو أيضا على درجات في الخبث . فالمأخوذ بعقد فاسد ، كالمعاطاة مثلا فيما لا يجوز فيه المعاطاة حرام ، ولكن ليس في درجة المغصوب على سبيل القهر . بل المغصوب أغلظ ، إذ فيه ترك طريق الشرع في الاكتساب ، وإيذاء الغير . وليس في المعاطاة إيذاء ، وإنما فيه ترك طريق التعبد فقط ، ثم ترك طريق التعبد بالمعاطاة أهون من تركه بالربا وهذا التفاوت يدرك بتسديد الشرع ووعيده وتأكيده في بعض المناهي ، على ما سيأتي في كتاب التوبة ، عند ذكر الفرق بين الكبيرة والصغيرة بل المأخوذ ظلما من فقير أو صالح أو من يتيم ، أخبث وأعظم من المأخوذ من قوى أو غنى أو فاسق . لأن درجات الإيذاء تختلف باختلاف درجات المؤذي فهذه دقائق في تفاصيل الخبائث لا ينبغي أن يذهل عنها . فلو لا اختلاف درجات العصاة لما اختلفت دركات النار . وإذا عرفت مثارات التغليظ فلا حاجة إلى حصره في ثلاث درجات أو أربعة . فإن ذلك جار مجرى التحكم والتشهي ، وهو طلب حصر فيما لا حاصر له . ويدلك على اختلاف درجات الحرام في الخبث ما سيأتي في تعارض المحذورات ، وترجيح بعضها على بعض ، حتى إذا اضطر إلى أكل ميتة ، أو أكل طعام الغير ، أو أكل صيد الحرم فإنا نقدم بعض هذا على بعض أمثلة ( الدرجات الأربع في الورع وشواهدها ) أما الدرجة الأولى ، وهي ورع العدول ، فكل ما اقتضى الفتوى تحريمه ، مما يدخل